من مظاهر الكتابة الروائية ما بعد الحداثية في تونس

د. عبد الله أبو هيف

* جريدة الاسبوع الأدبي15/7/2000*

ربما كان هشام القروي، على قلة إنتاجه الروائي وضعف تعبيره عن أطروحته واتجاهه، هو الأكثر تمثيلاً لنزعة ما بعد الحداثة في الكتابة الروائية في تونس، كما في نصيه “ن” (1983)، و”أعمدة الجنون السبعة” (1985).‏
ما تزال تجليات ما بعد الحداثة عربياً تتلامح على نحو جزئي، في غير ذات نسق أو هي لا أنساق معرفية، أو تندرج في اتجاهات يركن إليها، سواء في توصيفها التاريخي والواقعي، أو في تطورها، أو في فهمها ونقدها، فثمة تنازع، على سبيل المثال، بين فهمها ظاهرة تاريخية مرافقة لتحول الحداثة إلى نقيضها، وبين نقدها المغالي بأنها “تحطيم كل ما هو إنساني”.(7)‏
ومن هذا المنطلق، استقبلت مقاربات الكتابة ما بعد الحداثية بريبة واستنكار، على أنها نفي مطلق للتقليد الأدبي، ناهيك عن الزعم أو الرأي بمعاداتها للتاريخي أو الإنساني، ولا يناسب مقام بحثنا أن نفرد القول في ذلك كله.‏
وهكذا، تعامل النقد الروائي مع كتابة هشام القروي الروائية بحيرة واضحة، ربما لأن نزعتها التحديثية المطلقة تصطدم بالمعايير السائدة في فهم الرواية،ولعل ذكر نموذج نقدي واحد كاف للإشارة إلى الارتباك النقدي المتخصص مع هذا النمط من الكتابة الروائية. عزاها بوشوشة بن جمعة في كتابه “مباحث في رواية المغرب العربي” (1996) إلى التجريب (ص78- 89)، وسماها الرواية الذهنية (ص41)، ثم سماها في موقع آخر رواية اللغة (ص59). غير أن الكتابة الروائية ما بعد الحداثية تحتفي بهذه الأبعاد، لأن غلبة التجريب في بنائها، أو بروز اشتغالها اللغوي، أو أعمال الذهن والذهنية في نسق تنضيدها من سماتها، بالإضافة إلى سمات وخصائص أخرى لازمت نزعة ما بعد الحداثة.‏
شكلت “ن” قطيعة مع التقليد الروائي، في ولعها بالمغايرة دون احتساب دواعي المنطق أو العقلنة، وفي حرصها على انكسار السرد منذ جملته الأولى “هاأنذا أعود إلى هذه المدينة “الغريبة”.. ومن البداية لاحظوا أنني وضعت بين طفرين، وقد كنت أريد وضعهما للمدينة. غير أن يدي انزلقت! أو.. لا أعرف كيف أفسر ذلك!” (ص7).‏
ونلاحظ أن السارد، وهو يغطي على نسقه السردي، فإنه ينطلق من سورة القلم في النص القرآني، ليذكر نتفاً من أحلام وكوابيس وأوهام رجل مطارد، مغترب، خائف، مع نفسه، ومع أقرب الناس إليه، ومن مجتمعه، ومن قوى مجهولة، غامضة.‏
ثمة حافز يتكرر داخل المتن في الصفحات 29 و 59 و 72 و 102، ويكاد يوجز معنى كامناً لعناء هذا الرجل:‏
“جاءوا في الفجر.‏
طرقوا الباب طرقات عنيفة. انتزعت نفسي من الفراش. تحركت نحو الباب حركات آلية. كنت لا أزال دائخاً أو نائماً أو مخدراً.. أو ما يشبه ذلك! لا أعرف! فتحت. دهشت لرؤية المسدسات الموجهة إلى صدري. لم أفه بكلمة. لم أجد ما أقول. كانت وجوههم نصف مقنعة
بنظارات سوداء كبيرة.  
كانوا أربعة.‏

أنت وليد الأرض؟‏
همهمت:‏
-نـ.. نعم.‏
-خذوه!‏
وفي لحظة، وضعوا على عيني حجاباً. وفي الظلام، قيدوا يدي. وساقوني إلى عربة، دفعوني على المقعد. لم أقل شيئاً. لم أر شيئاً. لم أفهم شيئاً. فقط سمعت محرك السيارة يدور. كنت في طريقي نحو المجهول.. مع..” (ص29).‏
ولا يضيف في الصفحة 59 سوى توضيح واحد، هو إضافة كلمة أخيرة:‏
” كنت في طريقي إلى المجهول.. مع الوطاويط” (ص59).‏
ثم يتكرر النص كما هو في الصفحة 72، ويظل الحافز تعبيراً عن حالة سكونية لا تنفع في تنامي الفعلية داخل المتن الحكائي، بل أن السارد يفصح عن اسم “وليد الأرض” الغامض، ولكنه يزيد الأمر غموضاً، فليس ثمة تاريخ خاص أو عام للاسم الجديد:‏
“-أنت راجح سليمان؟‏
همهمت:‏
-نـ.. نعم.‏
-خذوه” (ص102).‏
قضى السارد ردحاً من الزمن ينتظر قدومهم، حتى صار السرد كله للتناوب بين الانتظار والتخفي، فقد بذل السارد محاولات كثيرة للتمويه على شخصه وأحلامه منذ مطلع السرد، حين أطلق تسميته: “حلم رجل آخر” (ص6). ثم تقنع باسم “وليد الأرض” مثلما قنع مطارديه والقوى الغاشمة التي تحاصره: “الوطاويط”، وكان يواجه الجميع بأفكاره الملتبسة متردداً أيضاً، وقد وجد الخلاص بالحب:‏
“لذلك أرى من الضروري أن أعلمك أن الحب هو حريتي، وهو الذي يجعلني قادراً على تجاوز كل شيء واختراق القوانين والمقدسات وتحطيم كل الأصنام والحواجز التي تمنعني من تحقيق ذاتي فيه” (ص88).‏
ولكنه ينقض أمره تحت وطأة “اللامتوقع” (!؟) والإحساس بالمؤامرة بقوله: “الحب شيطان آخر” (ص96)، مؤكداً ألا “أهمية لكل ما نعيش؟ وهل يهم أن تهجرني امرأة بينما الأرض بأسرها والبشرية قاطبة مهددة بالانقراض؟ أية أهمية للحب، للوهم، للخلاص، لأي شيء؟ أية أهمية؟… أورانوس، بلوتون، ساتورن. الشمس السوداء، القمر المغزو، الكواكب متواطئة، مؤامرة على الأرض، مؤامرة على الأرض، مؤامرة على الأرض” (ص
98).‏
ثم تغوص الرواية عميقاً في العدمية والأشباح وأطياف الموت:‏
“ولم يبق في الأشجار سوى الولولة المجنونة، وعلى الجدران تلتمع إشارات مبهمة، وشددت الخطو، وأسرعت دافعاً جسمي وسط المتاهة منتظراً دليلاً واحداً يرشدني إلى الحياة، ويخرجني من سراب الموت” (ص101).‏
داخل اللا تعيين وفقدان المنطق ومعارضة النظام وتهشيم الرؤية. بنى القروي نصه الروائي المتميز، على أن ثمة تطوراً في كتابته الروائية في نصه الثاني “أعمدة الجنون السبعة”، باتجاه الوضوح، وشحوب الخصائص التي لازمت نصه “ن” مما يقارب نزوعات ما بعد الحداثة. ويظهر هذا التطور باتجاه تاريخية ما للنص، وباتجاه انشغال موضوعي صريح، وباتجاه معارضة معلنة للعقل، وفي ذلك كله شيء من عقلنة.‏
عارض القروي أولاً في عنوانه الحكمة بالجنون، على أن العالم يفتقد للعقل، أو أن “العالم ليس عقلاً” بتعبير عبد الله القصيمي، ورأى ثانياً أن ذلك يطبع الحياة المعاصرة والعمران البشري، ويختار مجالاً هو مثار شجن قومي وإنساني، أقصد الحرب الأهلية اللبنانية.‏
وخاض القروي ثانياً في فضاء تاريخي محدد، بل إنه معني بالتاريخ منذ بداءة روايته حين سمى الفصل الأول “ريح سبتمبر”، وحين واجه أطراف الحرب الدائرة بأسمائها، وحين عني بالخريطة اللبنانية، جغرافية وجغرافية سياسية.‏
ومن الواضح، أن القروي منشغل بموضوع صريح، ثالثاً، هو إدانة الحرب الأهلية اللبنانية. وسار على درب من ينهجون التقليد الأدبي، ربما على سبيل التهكم، إزاء معضلة المحاكاة والمرجعية الواقعية والتاريخية، فصدر نصه الروائي بكلمة معتادة “لابد منها” بتعبير القروي نفسه، ومفادها أن الكاتب يهمه “أن يشير إلى أن أحداث هذه الرواية وشخصياتها كلها من نسج الخيال. وكل اشتباه بأحداث وأشخاص واقعيين لا يمكن أن يكون من قبيل الصدفة طبعاً!” (ص10).

جريدة اسبوعية تعنى بشؤون الأدب و الفكر و الفن – العدد 717 تاريخ 15/7/2000*

Share

كينان وسوريا

مفكرة د. هشام القروي  المدينة: الأحد 28/07/2013  عندما يثار الحديث حول احتمال أو عدم احتمال التدخل الأمريكي في أي مكان من العالم -وأنا أقصد تحديدًا سوريا في هذا السياق- لابد من التذكير ببعض الحقائق، وأبرزها أن الولايات المتحدة لا تتدخل في أي … Continue reading

Share

خيارات محدودة

مفكرة د. هشام القروي الخميس 25/07/2013 خيارات محدودةخلاصة الرسالة التي وجهها رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، الجنرال مارتن ديمبسي، إلى السيد كارل ليفن رئيس لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ، أن خيارات إدارة أوباما إزاء الوضع في سوريا محدودة جدًا تتمثل … Continue reading

Share

عدم استقرار

مفكرة د. هشام القروي الثلاثاء 23/07/2013 عدم استقراريقول الخبر: إن مجموعة من المسلحين هاجمت عددا من الأكمنة الأمنية ونادي ضباط الشرطة بمدينة “العريش” في شمال سيناء، ومقرا آخر تابعاً للقوات المسلحة المصرية بالمدينة، مساء يوم الأحد 21 يوليو. و سقط عدد … Continue reading

Share

نكتة نتن ياهو الوحيدة

مفكرة د. هشام القروي المدينة: 21/7/2013  جنّ جنون رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتن ياهو مؤخرا بسبب قرار يمنع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي  من تمويل أو التعامل مع المستوطنات في الأراضي التي تحتلها الدولة اليهودية منذ عام 1967، وفقا للمبادئ … Continue reading

Share

مصادر التطرف الأساسية

مفكرة د. هشام القروي المدينة: الخميس 18/07/2013 عند الحديث عن التطرف (أو ما يسمى أيضا الراديكالية الإسلاموية) ينبغي الانتباه إلى ثلاث فئات من المنابع التي ترفده، وهي: الظروف والسياقات والأحداث المحفزة.  1- الظروف هي عوامل لها وجود دائم أو شبه … Continue reading

Share

روحاني والملف النووي

مفكرة د. هشام القروي المدينة: الأحد 14/07/2013 في حين أعلن الاتحاد الأوروبي عن اجتماع سيعقد في بروكسيل يوم الثلاثاء القادم للدول الست المعنية بالتفاوض مع إيران حول الملف النووي، أرسل الأعضاء الستة والأربعون في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب التابع للكونجرس … Continue reading

Share